أبو نصر الفارابي
111
كتاب السياسة المدنية
فمدينة التغلب قد تكون على هذه الجهة بأن تكون همتها بأحد هذه الوجوه الغلبة فقط والالتذاذ بها . وأما إن كان إنما تحب الغلبة ليحصل لها إما الضروريات وإما اليسار وإما التمتع باللذات وإما الكرامات وإما جميع هذه كلها ، فتلك مدينة التغلب على وجه آخر « 1 » . وهؤلاء داخلون في تلك المدن الأخر التي سلفت . وكثير من الناس يسمي هذه المدن مدينة التغلّب . وأحراها بهذا الاسم من أراد جميع هذه الثلاث بالقهر . وتكون هذه المدن على ثلاثة أنحاء : وذلك إما بواحد من أهلها وإما بنصف أهلها وإما بأهلها كلهم . فهؤلاء إنما يقصدون القهر والنكال ليس لذاته ولكن قصدهم وغرضهم شيء آخر . وهاهنا مدن أخر قصدها هذه « 2 » مع الغلبة . أما الأولى « 3 » التي قصدها الغلبة كيف كانت وفي أي شيء كانت فقد يتفق فيها من يضر غيره بلا نفع يصل إليه من ذلك ، مثل أن يقتل لا لسبب آخر سوى اللذة بالقهر فقط . وتكون فيها المغالبة على أشياء خسيسة مثل ما يحكى عن قوم من العرب . وأما الثانية فإنه إنما تكون محبة للغلبة لأجل أشياء هي عندهم محمودة عالية ليست خسيسة . ومتى نالوا هذه الأشياء بلا قهر لم يستعملوا القهر . وأما المدينة الثالثة فإنها لا تضر
--> ( 1 ) يشير الفارابي إلى أنواع من مدن التغلب يكون قصد أهلها من الغلبة الحصول على الضروريات أو اليسار أو التمتع باللذات أو الكرامات أو جميعها . ( 2 ) يقصد الأهداف الأخرى غير الغلبة أي اليسار أو الكرامة أو اللذة أو الضروريات . ( 3 ) يقصد بالأولى المدينة التي لا هدف لأهلها سوى الغلبة .